مـا فعلـه »الفـوسفـور« بأسـرة أبـو حليمـة



نتهت الحرب. وعاد من تبقى من أفراد أسرة أبو حليمة إلى بيتهم، ليلملموا من بين الأنقاض أشلاء والدهم، ويجمعوا ما لا يزال صالحاً من أثاثهم.
تضمّ أسرة أبو حليمة ١٤ فرداً لاذوا جميعاً بحضن بيتهم في الثالث من كانون الثاني، حين اجتاحت القوات الإسرائيلية هذه المنطقة الزراعية في شمالي قطاع غزة. ومن هؤلاء قُتِلَ خمسة، ودخل اثنان في غيبوبة، وأصيب ثلاثة بجروح خطيرة. كل هذا من قذيفة فوسفورية واحدة سقطت على سقفهم. المخيف، بحسب أطباء وناجين، أن الشظايا الفوسفورية المتناثرة حول المنزل ما تزال، منذ الثالث كانون الثاني، تشعل النيران لدى أقلّ احتكاك!
وللبرهنة، يقتطع محمود أبو حليمة (٢٠ عاماً) عينة من شظية فوسفورية في مدخل منزلهم، ويفرك المادة البنية بالحائط، فينتج عن ذلك توهج أخضر غريب يتبعه دخان لاذع يلقي بجميع الواقفين على مقربة في نوبة من السعال. حتى الآن، لم تصدر إحصائيات واضحة بعدد الضحايا الذين تأذوا أو قتلوا بسلاح الفوسفور الأبيض، خلال عدوان الـ٢٢ يوماً الإسرائيلي. وهو سلاح يحظّر استعماله ضد الأشخاص، بموجب القانون الدولي. لكن سيئ الحظ الذي ينال نصيباً من الفوسفور الأبيض يعلم تماماً أن نيرانه لا تتوقف حتى تنال من عظمه. وبكلمات علمية: حتى تنفد من الأوكسجين. ما تزال بصمات الفوسفور الأبيض واضحة لمن جال في طرقات غزة، بعد وقف إطلاق النار. شظايا داكنة اللون متناثرة هنا وهناك. حفرة في أحد أزقة مخيم جباليا، ما تزال تنفخ دخاناً يخنق أنفاس الأطفال والمارة. أولاد يجرون »اختبارات« على كومة من شظايا الفوسفور الأبيض مطمورة بالتراب في بيت لاهيا. يركلونها بأقدامهم فتشتعل فوراً كفعل ساحر. يضحكون مشدوهين وهم يحبسون أنفاسهم. لقد قصفت إسرائيل، بالفوسفور الأبيض، مدرستين تابعتين للأمم المتحدة (وكالة الأونروا) كانتا تعجّان باللاجئين من دوامة القصف. وما تزال الحكومة الإسرائيلية تنكر أنها استخدمت هذا السلاح المروّع ضد الناس، مصرّة على أنها تستفيد من دخانه لصناعة سواتر لغاراتها، وهو التفافٌ يسكت عنه القانون الدولي. لقد دفن محمود وأهله جثث أشقائه عبد الكريم (١٤ عاماً) وزيد (١٢ عاماً) وحمزة (تسعة أعوام)، وشقيقته إبنة العام شَهد. لكن والدهم، الذي كان يعيل أسرته من زرع وحصد محاصيل الفراولة في أرضهم، لم يكن محظوظاً ليحظى بدفن لائق مثل أطفاله. فالقذيفة فجّرت الحائط الذي كان يستند إليه، وحوّلت جسده إلى أشلاء تناثرت في كل مكان.
من هذه الأشلاء، انتشل محمود خصلة نجت من شعر والده. أما أمه، سليمة (٤٤ عاماً)، فما تزال طريحة الفراش في مستشفى الشفاء في وسط غزة. وتروي كيف »أحرقني الدخان الذي أتى كشلال«، وانتشر في كل مكان في المنزل بعدما ضربت القذيفة غرفة الجلوس. »كل جسد (سليمة) أصبح ساماً«، يقول الطبيب نافذ أبو شهبا، رئيس قسم الحروق في مستشفى الشفا، حيث تغلغلت المادة الكيماوية للفوسفور الأبيض حتى العظام وظلّت ملتصقة بها. ما يزال الأفراد الباقون من عائلة أبو حليمة »ينظفون« منزلهم من الأنقاض، يقول عمر (١٨ عاماً). وكانت وحدة إسرائيلية عسكرية احتلت منزلهم المدمّر بعد هروبهم منه، فوجد العائدون بين الأنقاض كومة من معلبات معدنية لمؤن غذائية مستهلكة، ومئات من علب ذخائر أفرغت من محتوياتها، وثياب أطفال تمّ إحراقها.
وعلى أحد الجدران المتفحمة، عبارة بعربية ركيكة كتبها الجنود المحتلون: »باسم قوات الدفاع الإسرائيلية: عذراً«. (أ ب)



Leave a Reply